ابراهيم بن عمر البقاعي
349
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
في قوله : إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ * وهذه الآيات صادرة عن سخط عظيم وإنكار فظيع ، والأساليب التي وردت عليها ناطقة بتسفيه أحلام المدعي لذلك وبجهل نفوسهم ، واستركاك عقولهم ، مع استهزاء وتهكم وتعجيب من أن يخطر مثل ذلك على بال فضلا عن أن يتخذ معتقدا ، ويتظاهر به مذهبا . [ سورة الصافات ( 37 ) : الآيات 158 إلى 164 ] وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ ( 158 ) سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ ( 159 ) إِلاَّ عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ ( 160 ) فَإِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ ( 161 ) ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ ( 162 ) إِلاَّ مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ ( 163 ) وَما مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ ( 164 ) ولما تم إظهار ضلالهم ، بكتهم في أسلوب آخر معرضا عن خطابهم تخويفا من إحلال عذابهم فقال : وَجَعَلُوا أي بعض العرب منابذين لما مضى بيانه من الأدلة بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ أي الجن الذين هم شر الطوائف ، وأنثهم إشارة إلى تحقيرهم عن هذا الأمر الذي أهلوهم له نَسَباً بأن قالوا : إنه - جلت سبحات وجهه وعظم تعالى جده - تزوج بنات سروات الجن ، فأولد منهم الملائكة ، ومن المعلوم أن أحدا لا يتزوج إلا من يجانسه ، فأبعدوا غاية البعد لأنه لا مجانس له . ولما كان النسيب يكرم ولا يهان قال مؤنثا لضميرهم زيادة في تحقيرهم : وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ أي مطلقا السروات منهم والأسافل إِنَّهُمْ أي الجن كلهم لَمُحْضَرُونَ * أي إليه بالبعث كرها ليعاملوا بالعدل مع بقية الخلائق يوم فصل القضاء ، والتجلي في مظاهر العز والعظمة والكبرياء ، فهم أقل من أن يدعى لهم ذلك . ولما ذكر ذلك اليوم الأعظم الذي يظهر فيه لكل أحد معاقد الصفات ، وتتلاشى عند تلك المظاهر أعيان الكائنات ، وتنمحي لدى تلك النعوت آثار الفانيات ، وكان ذكره على وجه مبين بعد الجن عن المناسبة ، كان مجزأ للتنزيه وموضعا بعد تلك الضلالات للتقديس نتيجة لذلك ، فقال مصرحا باسم التسبيح الجامع لجميع أنواعه ، والجلالة إشارة إلى عظم المقام : سُبْحانَ اللَّهِ أي تنزه الذي له جميع العظمة تنزها يفوت الحصر عَمَّا يَصِفُونَ * أي عما يصفه به جميع الخلائق الذين يجمعهم الإحضار ذلك اليوم ، أو الكفار الذين ادعوا له الولد وجعلوا الملائكة من الولد إِلَّا عِبادَ اللَّهِ أي الذين يصلحون للإضافة إلى الاسم الأعظم من حيث إطلاقه على الذات الأعظم ، ولذلك أظهر ولم يضمر ، لأن الضمير يعود على عين الماضي ، فربما أوهم تقييده بما ذكر في الأول فيفهم تقييد تشريفهم بالتسبيح الْمُخْلَصِينَ * من جميع الخلائق أو من العرب وهم من أسلم منهم بعد نزول هذه السورة فإنهم لا يصفونه إلا بما أذن لهم فيه